السبت , 29 أكتوبر 2016
جديد نفائس
جحا العربى

جحا العربى

 
 
جحا العربى 
تاليف 
د. محمد رجب النجار 

عندما يكون التعبير الفني – عند أمة ما – عريفا وأصيلا , قائما في أساسه على الرواية الشفوية , وفيا بحاجات المجتمع الشعورية والمعنوية , معبرا عن موروثة الثقافي , وخصائصه القومية , وقيمه الإنسانية العليا ومثله الاجتماعية , صادرا من وجدان جمعي , تحقيقا للذات العامة , معينا على حركة التاريخ , متسما بالمرونة والحيوية قادرا على النماء والتطور … دون الجمود عند صورة ثابتة لا تغير ولا تتبدل راصدا في نهاية الأمر – الحصيلة الكاملة لثقافة شعب بعينه , على اختلاف أجياله وبيئاته ومراحل تعليمه النظامي وغير النظامي , وحين , يقف في رصده عند تراث البسطاء أو وهم الأميين أو ثقافة الريفيين أو أهل البداوة , بل يتجاوز ذلك فيكون تراث شعب بأسره , هو المؤلف وهو المتذوق والمتلقي في آن واحد , فذلكم هو الإبداع الشعبي ووظائفه .
إن التراث الأدبي كما يحدده أستاذنا الفاضل الدكتور عبد الحميد يونس , لم يعد هو الذي ” يصدر عن لهجة بعينها , ولا عن طبقة بعينها , لأن التعبير الفني حيوي في جميع الشعوب والأفراد والطبقات “

وعلى ذلك يصبح الفيصل بين الأدب الشعبي وغيره , عند الأستاذ الدكتور ” إنما يلتمس في واقع الأمر في الوظيفة التي يقوم بها الأدب ” ومن ثم يخطئ من يظن أن الفيصل يكمن في المعيار اللغوي دون المعيار التاريخي ( الأصالة ) أو المعيار النفسي أو الثقافي أو الفني – حين يتوسل هذا الإبداع باللهجة العامية فالواقع – كما يقول الأستاذ الدكتور ” إن اللهجة العامية ليست الفيصل في التمييز بين الشعبي وغير الشعبي , وإنما الفيصل هو وجدان الجماعة ( لا الوجدان الفردي في إطار العبقرية الفردية ) الذي يجعل المؤلف مجهولا مختفيا , لا تبين له خصوصية , والذي يجعل الآثار الأدبية الشعبية مجهولة المؤلفين في الغالب , وهي إن نسبت الى مؤلف , فتحقيق هذه النسبة عسير أو يكاد يكون مستحيلا ولو وجد لكان ذلك – في الأغلب الأعم – على سبيل الشهرة والانتحال , كالخلاف الذي لا يزال حول هوميروس , ومؤلف أغنية رولان على سبيل المثال . فليست اللهجة إذن فيصلا – بحال – الى التمييز , ولكن الوجدان الجمعي هو الفيصل .
في ضوء هذه المنطلقات , وفي ضوء المفهوم العلمي للتراث بعامة , باعتباره كل ما هو موروث عن السلف من فكر وقيم ومآثر وفنون , والمعبر عنها قولا أو كتابة أو عملا , تأتي دراستنا لشخصية جحا وللمأثور الجحوي في صميم الدراسات الفولكلورية . ومما له مغزاه في هذا المقام أنني اعتمدت في انتخاب النوادر التي تمثلت بها في تلك الدراسة على ما ورد في كتاب ( أخبار جحا ) للمحقق اللغوي الكبير الأستاذ عبد الستار فراج , أول من تنبه الى المأثور الجحوي في كتب التراث , فجمعه وحققه , ونشره مقدما بذلك خدمة كبرى من خدماته الجليلة للغتنا الجميلة في مجال نشر التراث وتحقيقه على نحو ما هو معروف … والحق أن التراثيين الحرب أنفسهم , كانوا من رحابة الأفق , وشمول الرؤية , وبعد النظر وموضوعية التفكر , في مؤلفاتهم – الموسوعية منها بخاصة – فلم يعرفوا مثل هذه التفرقة أو النظرة القاصرة المحدودة الى ضروب الثقافة العامة وفنون التعبير الأدبي بخاصة . ولعل في العودة الى ما أبدعته مثل هذه القرائح المعبرة , ما يؤكد ذلك , من أمثال المقريزي والقلقشندي والنويري والطبري وابن خلدون والقزويني والدميري والحصري وابن عبد ربه , وأبي علي القالي , والمقري , وأبي حيان التوحيدي , وأبي الفرج الأصفهاني والجاحظ والأصمعي , وعبد الله ابن المقفع – رائد النثر الفني في الأدب العربي – وغيرهم كثير جدا . بل لقد بلغوا قدرا من الحرية والجرأة والأمانة في التعبير ما نعجز نحن – المعاصرين – عن مجاراتهم أو تقليدهم ( بحجة خدش الحياء مثلا ) أو دون أن يتهمهم احد بالتشيع الإقليمي … وليتنا ندرك انه ما من شيء , يساهم في تأكيد الوحدة القومية , وتجسيد غاياتها ومثلها قدر ما ساهم الفولكلور العربي في صنعها .. ( ابتداء من وحدة العادات والتقاليد , وانتهاء بوحدة الإبداع الأدبي الشعبي كالقصص والملاحم والسير والحكايات والأمثال والنوادر … الخ )ولعل هذه الدراسة عن جحا , تؤكد هذه الحقيقة , وترد بذاتها على هذه الدعوى الموهومة , فما من قطر عربي إلا عرف جحا , بسمته وملامحه وأسلوبه وفلسفته في الحياة والتعبير , فعرف في هذا النموذج ( القومي ) عصا توازن في خضم تحدياته ومعوقاته – وتمثل نوادره زادا فنيا ونفسيا بعيد الأثر قد يدفعه الى الابتسام والسخر , وقد يدفعه الى الضحك والدعابة , لما فيها من انحراف عن المألوف أو تلاعب باللفظ أو خطا في القياس ولكننا لو تجاوزنا قشرتها الخارجية , وتأملناها من الداخل لوجدناها وسيلة حيوية من وسائل الدفاع عن الذات العامة باعتبارها النموذج والمثال … مؤكدة بالتناقض الظاهر أو الخفي – القيم الإنسانية العليا , والغايات القومية , التي تعمل الجماعة كلها على تحقيقها … وإذا تلك النوادر هي البلسم الشافي – في مأساة الحياة – الذي يغرس في أعماق نفوسنا أروع البسمات فلا يتزلزل المرء عند مواجهة المواقف الصعبة أو الحرجة أو أمام أعقد الأمور وأخطر المشكلات
Likes(0)Dislikes(0)
Print Friendly

عن ابو علاء

Optimization WordPress Plugins & Solutions by W3 EDGE
%d مدونون معجبون بهذه: