الأحد , 30 أكتوبر 2016
جديد نفائس
الرئيسية » أخبار عامة » رحيل الشاعر الأيقونة :سعيد عقل..
رحيل الشاعر الأيقونة :سعيد عقل..

رحيل الشاعر الأيقونة :سعيد عقل..

 
المحرر الثقافي

رحل «المعلم»، رحل صاحب «المجدلية» بعد أن أمضى يومه الأخير في صلاة. غيب الموت سعيد عقل الشاعر الأيقونة عن مئة وسنتين أقام فيها الدنيا وشغل الناس، كما قيل عن المتنبي. هو العاشق لبنان حتى لو تطرف، وهو نهر الشعر الثائر الفوار يبتكر مجراه بنفسه. هو الداعي إلى لغة خاصة بأبناء الحضارة الفينيقية، لكنه واحد من أفصح شعراء العربية. هو الذي دعا لبنان إلى العودة إلى ذاته التاريخية، وهو الذي غنت له فيروز «غنيت مكة أهلها الصيد/ والعيد يملأ أضلعي عيدا».

«يوجعني أني سأمضي

وشبابي.. والأمل

أحمل غابتي معي

وسندياناً وقلل

أرض بلادي وحدها

تبقى.. وديوان غزل

كتبتها أنا على

جناح عصفور رحل»

توفي الشاعر اللبناني سعيد عقل الذي ارتقى بالقصيدة العمودية الى ارقى المراتب.

 

شيء من الرمزية

ولد سعيد عقل في زحلة بشرق لبنان في يوليو 1912 وقد كتب في الشعر والمسرح والصحافة.

شعر سعيد عقل مفعم بالرمزية وقصائده خالية من التفجع. كما يتسم شعره بالفرح ويخلو من البكاء. وهو قال يوما «في شعري شيء من الرمزية لكن شعري اكبر من ذلك، يضم كل انواع الشعر في العالم، هؤلاء الذين يصدقون انهم رواد مدرسة من المدارس ليسوا شعراء كبارا، الشعراء الكبار هم الذين يجعلون كل انواع الشعر تصفق لهم».

كان سعيد عقل المتميز بشعره المنفوش وطريقة كلامه المسرحية، شاعرا يؤمن بسلطان العقل وهو وصل بالقصيدة العمودية الكلاسيكية الى اعلى المراتب.

 

المرأة والوطن

غنى سعيد عقل الوطن وتغنى بالمرأة بنبل وبعذوبة، ولم يكن غزله مبتذلا. كان من انصار «القومية اللبنانية»، ويدافع بقوة عن «الخاصية اللبنانية»، ويدعو الى استخدام العامية اللبنانية، معتبرا ان المستقبل هو لهذه اللغة. وقد وضع «الابجدية اللبنانية التي تكتب بحروف لاتينية. وقد اثارت مواقفه هذه جدلا كبيرا.

وقد اصدر ايضا كتاب «لبنان ان حكى» الذي يتطرق الى امجاد لبنان باسلوب قصصي، يتأرجح ما بين التاريخ والاسطورة.

غنت فيروز الكثير من قصائد عقل، ولا سيما، «زهرة المدائن»، عن مدينة القدس و«يارا» و«بحبك ما بعرف» و«امي يا ملاكي».

وقد بدأت ردود الفعل تتوالى على وفاة الشاعر الكبير. فقد غرد رئيس الوزراء اللبناني السابق سعدالدين الحريري عبر تويتر قائلا «لبنان والعرب خسروا اليوم احد عمالقة الشعر. رحم الله سعيد عقل».

ومن المعلقين ايضا الزعيم الدرزي وليد جنبلاط الذي كتب في تغريدة «شاعر وكاتب كبير من لبنان يرحل اليوم. انه سعيد عقل».

 

حملت بيروت

حَمَلْتُ بَيْروتَ في صَوتِي وفي نَغَمِـي

وَحَمَّلَتْنِـي دِمَشْـقُ السَّيْفَ في القَلَـمِ

فَنَحْـنُ لُبْنَانُ ، وكْـرُ النَّسْـرِ دَارَتُنا

والشَّـامُ جَارَتُنـا، يا جيـرَةَ الهِمَـمِ

مِـنْ ها هُنا نَسَـمَاتْ المَجْدِ لافِحَـةٌ

وَمِـنْ هُنالكَ رَايـاتٌ علـى القِمَـمِ

أنا على الدَّرْبِ يا وادي الحَرير هَوىً

بَيْـنَ الحَبيبَيْـنِ ما قَلْبـي بِمُنْقَسِـمِ

أفْـدِي العُيـونَ الشَّـآمِيَّاتِ نَاعِسَـةً

بالنَّوْمِ هَمَّـتْ عَلَـى حُلْـمٍ وَلَمْ تَنَـمِ

هُنَّ اللّوَاتي جَرَحْنَ العُمْرَ مِنْ شَـغَفٍ

وَطِـرْنَ بي نَغَمَاً يَبْكـي بِكُـلِّ فَـمِ

قلبي مِنَ الحُـبِّ كَـرْمٌ لا سِـياجَ لَهُ

نَهْـبُ الأحِبَّـةِ مِنْ سَـاهٍ وَمِنْ نَهِـمِ

ويا هَـوىً مِنْ دِمَشْـقٍ لا يُفَارِقُنِـي

سُكْنَاكَ في البَالِ سُكْنَى اللّوْنِ في العَلَمِ

 

لمن تقرع أجراس الياسمين؟

 

بعد الآن، لمن تقرع أجراس الياسمين؟

ويقال إن الموت كان يدق بابه بعدما تجاوز المئة بعامين، وحين يرى وجهه يعود من حيث أتى، القامة المهيبة التي كانت تبهرنا عندما كنا طلابه في مدينة زحلة، وكنا نقلده في أناقته وفي بزته الكحلية الخالدة، وفي مشيته في وسط الطريق، مع انه كان ينبهنا إلى ضرورة السير إلى جانب الطريق.

في أحد الأيام صدمته سيارة ونقل إلى المستشفى. أجل، كان يمشي كشاعر اغريقي مع انه كان مفتوناً بالفينيقيين، وبقدموس بوجه خاص. عينان جميلتان وبعيدتان، بعيدتان، جداً، وكان لا يرى في المرأة سوى انها منحوتة «من ذلك الرخام الملائكي». تزوج من امرأة، وذهلنا يومها كيف يمكن له أن يكون كأي رجل آخر. راح يقرأ لها القصائد ليلة الزفاف. انتحرت بعدما كانت تعتقد ان شاعرنا تغزل بالمرأة إلى ذلك الحد، وأحاط بها بكل تلك اللغة الملتبسة والفذة. لا بد أن يكون كما رجال الألياذة، أو كما رجال الأوديسة.. في تلك الليلة كان سعيد عقل زائفاً أيضاً. المرأة بالرداء الأحمر الشفاف ما لبثت أن تحولت إلى حطام.

الذي لا يستطيع أن يتزوج سوى القصيدة، كما يعتبر ان لبنان كوكب آخر، من قدموس إلى زينون وصولاً إلى فخر الدين المعني الثاني، وإن كان ضد وجود إسرائيل لأنها تريد اغتيال لبنان، قال لنا «لا يكون لبنان عربياً حتى ولو بقي هناك طفل واحد يقول انه ليس عربياً».

الذي تعامل مع اللغة العربية كما لو انها غابة من اللآلئ، حاول الابتعاد عنها بمحاولة اعتماد الحرف اللاتيني على الطريقة الأتاتوركية، لكنه أخفق في ذلك. ثمة من أيده في هذه القضية قبل أن يكتشف ان للعربية ألقها المقدس.

مشكلته انه حاول أن يدفع بلبنان إلى خارج السياق التاريخي والثقافي والفلسفي للمنطقة التي لم يكن يوليها أي اهتمام، ولم نكن نستطيع أن نناقشه، هو يتكلم ونحن آلات بشرية تصغي بالدهشة تلو الدهشة.

* * *

تصوروا شاعرا يقول لامرأة «جمالك وافر وفمي قليل».

اي ازميل كان يستخدمه سعيد عقل في «الرخام الملائكي» اياه؟ في احدى المرات كان يشرح لنا نصاً من «المفكرة الريفية» لامين نخلة، وكان العنوان الذي اذهله «صلاة العنز»، قال لنا وهو مأخوذ والى حد الهذيان «تصوروا العنز وهو يصلي، في هذا النص هناك متفجرة»، وما ان تلفّظ بكلمة «متفجرة» حتى تدافعنا الى الخارج واندفع معنا الناظر، قبل ان يقف عند الباب ويصرخ «يا مهابيل ارجعوا ارجعوا انا كنت اتحدث عن المفارقة في النص».

وفي احدى المرات اطل من النافذة خارج الصف، وكانت عالية وكان هو شاهقا شاهد احد التلاميذ يكتب على الطاولة الخشبية، دخل عاصفاً وامر التلميذ بالوقوف، وكانت لصوته رنة خاصة او بالاحرى دوي خاص، سأله «يا ابني انت لبناني؟ انت حفيد هنيبعل وتفعل هكذا بالطاولة؟» قبل ان يغيب سعيد عقل اقيم له تمثال في حديقة الشعراء في مدينة زحلة، من رأى التمثال يرى فيه سعيد عقل فعلا، انه هناك بوجهه اللا متناهي بعينيه اللا متناهيتين، شاعر لا يتسع له الرخام لا يتسع له الخيال ايضا، تشعر انك امامه وانك على وشك ان تجثو خاشعا امام من كانت عنده القصيدة هي البحيرة، وعلى ضفافها اللقلاق.

فتنته فيروز التي عينها بمرسوم شعري «سفيرتنا الى النجوم» هو الذي عاش حياته بين النجوم، لكنه كان انسانا، وقلة الذين يعرفون انه كان يتألم من اجل المعوزين والبؤساء، وحين ترشح للانتخابات وزارنا، وراح يتحدث مع الناس ظننا ان برنامجه كمرشح، هو الحاق القمر بلبنان، جمهورية ويجرها القمر.

في السنوات الاخيرة كاد يقول مثل رينية شار «انا سليل العزلة». وقبل ان يبدأ العزلة التقيته صدفة.

كان يرتدي بزة غير كحلية وربطة عنق حمراء كما لو أنه ليس سعيد عقل. رحت أحدق بشكله. واخبرته قصتنا مع «حلوة العنز»، ضحك كثيرا وردد ثانية «يا مهابيل…».

لم يمت. من يرد أن يراه فليذهب الى حديقة الشعراء في زحلة. هذا ليس تمثالاً من الرخام بل من الخيال ويدعى… سعيد عقل!

نبيه البرجي

 

أعماله

 

• سائليني (قصيدة)

• نشيد جمعية العروة الوثقى – للنسور ولنا الملعب

• بنت يفتاح (مسرحيّة) – 1935

• المجدليّة (ملحمة) – 1937

• قدموس (مسرحيّة) – 1944

• ردنلى – 1950

• مشكلة النخبة – 1954

• أجمل منك.. ؟ لا! – 1960

• لبنان إن حكى (تاريخ وأساطير) – 1960

• كأس الخمر – 1961

• يارا (بالحرف القومي اللبناني) – 1961

• أجراس الياسمين – 1961

• كتاب الورد – 1972

• قصائد من دفتره – 1979

• دُلْزى – 1973

• كما الأعمدة – 1974

• خماسيّات (بالحرف القومي اللبناني) – 1978

• الذهب قصائد (بالفرنسيّة)- 1981

 

 

«مشوار جينا ع الدني»

في بعض الشوارع الرئيسية في مدينة زحلة، راحت مكبرات الصوت تبث اغنيات لفيروز من كلمات سعيد عقل وبينها «مشوار جينا ع الدني مشوار»، وكذلك لماجدة الرومي، اضافة الى بث قصائد بصوت الشاعر الراحل.

 

Likes(0)Dislikes(0)
Print Friendly

عن ابو علاء

Optimization WordPress Plugins & Solutions by W3 EDGE
%d مدونون معجبون بهذه: