الجمعة , 28 أكتوبر 2016
جديد نفائس
الرئيسية » أخبار عامة » محاضرات في تاريخ الجزائر للشيخ موسى الشريف الجزء(1) و(2)
محاضرات في تاريخ الجزائر للشيخ موسى الشريف الجزء(1) و(2)

محاضرات في تاريخ الجزائر للشيخ موسى الشريف الجزء(1) و(2)

الملك شارل العاشر يقرر احتلال الجزائر بحجة الثأر من صفعة الداي حسين للقنصل الفرنسي بمروحة يدوية
الأمير عبدالقادر ينظم صفوفه ويخوض معارك باسلة ضد الجيش الفرنسي

الثورة الجزائرية من الثورات التي غيَّرت وجه العالم، فقد صنع الشعب الجزائري العظيم واحداً من أهم ملاحم الثورات الإنسانية، إبان مقاومته الاحتلال الفرنسي، كان أبطال هذه الملحمة الفريدة مليونا ونصف المليون شهيد، وملايين اليتامى والثكالى والأرامل، وكتبت أحداثها بدماء غزيرة أريقت في ميادين المقاومة، أي في المساجد، والجبال الوعرة، والشوارع المؤدية إلى الحرية، حيث كان الأحرار هناك يقاومون، بلباس ولسان وقلب عربي جزائري صريح.

في ربيع عام 1519 م، أصبحت الجزائر في حوزة العثمانيين، وصارت واحدةً من ولاياتها، وبعدها لاقت ليبيا وتونس المصير نفسه، لكن الجزائر سرعان ما تحولت ـ خلال العهد العثماني ـ إلى أن صارت أقوى الدول في حوض البحر الأبيض المتوسط، وذات مكانة خاصة في دولة الخلافة، إذ كانت تتمتع باستقلالٍ كاملٍ مكَّنها من الدخول في علاقات سياسية وتجارية مع أغلب دول العالم، وكانت أول دولة تعترف بحكومة الثورة الفرنسية عام 1789 م، وقبلها بالثورة الأميركية بعد استقلالها عن التاج البريطاني عام 1776م.
أبرمت «أيالة الجزائر» أو «مملكة الجزائر»، عشرات المعاهدات مع دول العالم، وبلغ أسطولها البحري في ذاك الحين قوة عظيمة، واستطاع خلال القرن الثامن عشر استحداث نظام للملاحة في المتوسط يضمن أمن الدولة «الجزائرية» خاصة و»العثمانية» عامة، وهو ما جعل الدول الأوروبية تعمل على إنهاء هذا النظام تحت غطاء إنهاء ما كان يُسمى بـ»القرصنة» التي كانت تمارسها جموع المغامرين الأوروبيين بموافقة دولهم ومؤازرتها لهم، في حين أن ذلك كان أسلوباً دفاعياً لمواجهة المد الاستعماري، الذي انطلق منذ القرن الخامس عشر، والذي دخلت الجزائر، من أجله، بمحض اختيارها ضمن «الخلافة العثمانية» وتحت حمايتها.
اتفقت الدول الأوروبية في «مؤتمر فيينا» على تحطيم الجزائر، حيث بادرت فرنسا في مؤتمر فيينا، (1814ـ 1815 م) بطرح الموضوع فاتفق المؤتمرون على تحطيم هذه الدولة في مؤتمر «إكس لا شابيل» عام 1819م، حيث وافقت 30 دولة أوروبية على فكرة القضاء على «دولة الجزائر»، وأسندت المهمة إلى فرنسا وإنكلترا، وتوافرت الظروف المناسبة للغزو عندما تمكَّنت بحرية البلدين من تدمير الأسطولين المصري والجزائري، في معركة «نافارين» البحرية سنة 1827م، حيث كان الأسطولان في نجدة وتحت حماية الأسطول العثماني، لتنتهي السيطرة الجزائرية على البحر الأبيض المتوسط للأبد.

فرنسا «المديونة»

منذ عام 1794 وفرنسا تقترض من الجزائر لكي تشتري القمح وغيره من الحبوب، حتى لا تهاجمها المجاعة وتقتل شعبها، واستمرت هذه القروض حتى عام 1819م، حتى بلغت 18 مليوناً من الفرنكات، وبدلاً من أن تسدد فرنسا ما عليها من قروض، أرسلت لجنة تحقيق، وأنقصت الدين من 18 مليون فرنك إلى 7 ملايين فقط، ولم تدفع حتى هذا المبلغ لحاكم الجزائر، بل دفعته إلى التجار الذين كانوا يقومون بدور الوسطاء.
بدأ حاكم الجزائر يلح في طلب مستحقات دولته من فرنسا، بلا جدوى، حتى كان يوم 29 أبريل عام 1827م، حين ذهب قنصل فرنسا إلى حاكم الجزائر «الداي حسين» في مقره بـ(قصر القصبة)، وأخبره بأن الحكومة الفرنسية ليس في نيَّتها أن تدفع شيئا من ديونها للجزائر، وكان أن غضب حاكم الجزائر، وطرد القنصل فلم يغادر مكانه، فما كان من حاكم الجزائر إلا أن ضربه بمروحة يده، التي يُفترض أن تجلبَ له نسمات الهواء.
اتخذت فرنسا الواقعة ذريعة لاحتلال الجزائر، وبدلاً من أن يقرر ملك فرنسا شارل العاشر الاعتذار للشعب الجزائري وتسديد ما عليه من ديون لهذا الشعب الذي وقف إلى جوار فرنسا في محنتها الغذائية، قرر الملك الفرنسي غزو الجزائر عسكرياً، بحجة الثأر لشرف فرنسا والانتقام من «الداي حسين».
 القرار النهائي بشن الحملة اتخذ يوم 30 يناير سنة 1830م، حيث قام الملك الفرنسي بتعيين كل من الكونت دي بورمون قائداً عاماً للحملة، والأميرال دوبري قائدا للأسطول، وفي مايو 1830م حررت الحكومة الفرنسية وثيقتين لتبرير حملتها، الوثيقة الأولى موجهة للدول الأوروبية، والثانية للشعب الجزائري، تعلن فيها أن حملتها تستهدف تأديب العثمانيين وتحرير الجزائريين من سيطرتهم.
وفي 25 مايو 1830م انطلقت الحملة الفرنسية تجاه الشواطئ الجزائرية من ميناء طولون الفرنسي، وقد وضعت خطة الحملة وفق ما رسمه المهندس العسكري الخبير بوتان الذي سبق أن زار الجزائر سنة 1808م للتجسس عليها بطلب من الإمبراطور نابليون بونابرت.
  كان تعداد الحملة حوالي 37000 جندي، موزعين على ثلاث فرق، وعلى رأس كل واحدة منها جنرال، تحملهم 675 سفينة، عليها 112 مدفعاً، ووصلت الحملة إلى شاطئ سيدي فرج الجزائري يوم 13 يونيو 1830م وشرعت في عملية الإنزال في اليوم الموالي مباشرة.
كان الجيش الفرنسي الذي نزل على الشواطئ الجزائرية متفوقاً في العتاد والتنظيم، وتمكن من هزيمة الجيش الجزائري الذي تصدى له، وبذلك فتح الباب واسعا أمام احتلال مدينة الجزائر، فتمكنت القوات الفرنسية من الوصول إلى مدينة الجزائر وإرغام «الداي حسين» على توقيع معاهدة الاستسلام في 5 يوليو، والتي تنص على تسليم مدينة الجزائر وتعهد الطرف الفرنسي (كذباً) بالحفاظ على حرية الدين الإسلامي، وعلى أملاك الأهالي وتجارتهم وصناعتهم واحترام نسائهم وحرماتهم.
   بعد ذلك شرعت فرنسا في توجيه فرقها العسكرية للسيطرة على مناطق أخرى غير الجزائر العاصمة، ثم قامت بتوجيه حملات بحرية إلى عنَّابة ووهران وبجاية وغيرها يمن مدن الجزائر، وتجاهلت فرنسا تجاهلاً تاماً ما تم التوقيع عليه في معاهدة 5 يوليو 1830م.

الأمير عبدالقادر

كان لسقوط مدينة الجزائر أثر كبير في نفوس الجزائريين، ما حدا بالمواطنين إلى تفويض أمر قيادتهم في المنطقة الغربية إلى أحد زعمائهم وهو شيخ زاوية القيطنة التابعة للطريقة القادرية، وهو محيي الدين بن مصطفى الهاشمي، وهذا بعد أن قامت فرنسا بتعيين باي حاكما مواليا لها على وهران، وتمكن الشيخ محيي الدين من مضايقة العدو في وهران، وفي هذه الظروف ظهرت قوة شخصية ابنه «عبد القادر»، الذي بويع أميراً بدلاً من أبيه محيي الدين الذي اعتذر عن عدم قيادة المقاومة لكبر سنه، وتمت المبايعة في 27 نوفمبر 1832م، وكان عمره وقتها 25 سنة، وبدأ نجم الأمير عبدالقادر في الظهور، كأحد رموز المقاومة في الجزائر للاستعمار الفرنسي.
   شرع الأمير عبد القادر في بعث الدولة الجزائرية من جديد على أسس حديثة وعصرية، ليقينه بأن تحرير البلاد يتطلب نشر وتطبيق أسس النظام المحكم، فقسم دولته إلى ثماني مناطق إدارية على أساس اللامركزية الإدارية، واضعاً على رأس كل منطقة خليفة، يعملون جميعاً من أجل تحقيق الوحدة الوطنية والعدالة، أما القوات فقد كانت مكونة من جيش نظامي ومتطوعين، وكانت الدولة تتولى الإنفاق على الجيش النظامي، واستفاد الأمير عبدالقادر من خبرة المرتزقة والفارين من الجيش الفرنسي في التنظيم والتخطيط والتسليح والتدريب، وحاول الاعتماد على الذات لتسليح الجيش، فبنى مصانع الأسلحة والذخيرة.
كان عبدالقادر يتمتع بشجاعة أسطورية، مكنته من بث الرعب في قلوب جنود الاحتلال، فكانوا يحسبون له الحسابات، وفي كل معاركه مع الفرنسيين كان يتصدر جيشه الصغير، شاهرا سيفه، حتى إذا ما هم بالهجوم صاح: الله أكبر… الله على الظالم… الله ينصر من ينصره… إن ينصركم الله فلا غالب لكم… الله أكبر… الله أكبر.
أثبت الأمير عبد القادر ـ رغم صغر سنه ـ حنكة وكفاءة في تسيير الأمور وقيادة المعارك، مما مكنه من الانتصار في العديد من المواجهات التي دارت بينه وبين قادة الجيش الفرنسي، واتبعت عمليات المقاومة أسلوب الحرب النظامية، ذلك أن العدو كان يتمركز في المدن، فعمل الأمير على تحريرها أولاً، وأجبر السلطات الفرنسية في الجزائر على الاعتراف به في معاهدتين مختلفتين، واعترفت له بحق تعيين ممثلين عنه لدى هذه السلطات.
تمكن الأمير عبدالقادر من توسيع نفوذ دولته في العديد من مناطق الوسط، ووصلت قواته إلى مليانة والمدية ووادي سباو، لكن القوات الفرنسية تمكنت من تخريب عاصمة الأمير (معسكر) واحتلال تلمسان، فقام الأمير الشجاع بتغيير أسلوبه في المقاومة وشرع في انتهاج أسلوب الحرب الخاطفة، فحقق انتصارات كثيرة من أبرزها معركة «التافنا» في 25 أبريل 1836م، وبمسعى من الجنرال الفرنسي بيجو وقع الأمير عبدالقادر على معاهدة التافنا يوم 30 مارس 1837م، والتي استطاع بفضلها توسيع قواعده، حيث اعترفت المعاهدة بسلطة الأمير عبدالقادر على كل أراضي الجزائر.
بعد تخريب عاصمة الأمير «معسكر» لجأ الأمير إلى تكوين عاصمة متنقلة سميت بـ»الزمالة»، وفي سنة 1843 سقطت العاصمة المتنقلة للأمير في يد الاحتلال الفرنسي، فكان لذلك وقع سلبي كبير على معنويات الجيش، ومع استمرار الحرب وتدهور الأوضاع الاقتصادية والسياسية في البلاد، وضخامة المعارك التي خاضها الأمير عبد القادر، بدأ الوهن يدب في صفوف القوات الجزائرية، والفرنسيون يزدادون وحشية في الرد على مقاومته لهم، ولم يجد بداً من الاستسلام لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، وحدث ذلك يوم 23 ديسمبر 1847م، وخيره الفرنسيون بين الذهاب إلى عكا بالشام، أو الإسكندرية بمصر، وخرج الأمير برفقة 80 من رجاله إلى بارجة فرنسية وسط موكب مهيب يليق بشخصه، لكن الفرنسيون خدعوه، حيث وجد نفسه في ميناء طولون الفرنسي، فكانت صدمته كبيرة وأليمة، وبقي تحت الإقامة الجبرية في مدينة أمبواز، حتى اعتلى لويس نابليون (الإمبراطور نابليون الثالث) حكم فرنسا، فطلب في استدعائه إلى باريس، واعتذر له وأكرمه، وطلب منه الأمير عبدالقادر أن يقضي ما تبقى من عمره في بيروت، فوافق الإمبراطور نابليون، ووصل الأمير إلى بيروت في 24 نوفمبر 1854م، ومنها انتقل إلى دمشق، ودخلها في موكب حافل، حيث استقبله السوريون بالموسيقى العسكرية، وبقي بها حتى وافاه الأجل سنة 1883م، ودفن بها، ثم نقل رفاته إلى الجزائر عام 1966 بعد استقلالها.

مقاومة في كل مكان

  في الوقت الذي كان فيه الأمير عبدالقادر يقود المقاومة في غرب ووسط الجزائر، كانت هناك مقاومة أخرى متزامنة معها في الشرق بقيادة الحاج أحمد «باي قسنطينة»، الذي كان في مدينة الجزائر عندما دخل الفرنسيون إلى سيدي فرج، وشارك في الدفاع إلى أن وصلت القوات الفرنسية إلى منطقة الحراش، واقترح على الداي حسين خطة لمواجهة العدو، وتقضي بالانسحاب إلى منطقة شرشال، وترك القوات الغازية تنزل على الشواطئ وتبدأ زحفها نحو العاصمة المحصنة، ثم بعد ذلك تقوم القوات الجزائرية بالهجوم عليها، إلا أن الداي رفض هذه الخطة مما دفع بالباي أحمد إلى الانسحاب ليستعد للمواجهة في الشرق، وركز على تحصين أسوار مدينة قسنطينة، الأمر الذي جعل القوات الفرنسية تقوم بعملية لتطويقه بإرسال حملتين إلى بجاية وعنابة، ولم تبدأ في مواجهة الحاج أحمد باي مباشرة إلا في شتاء 1836م، حيث تحركت القوات الفرنسية نحو مدينة قسنطينة انطلاقا من مركز الذرعان قرب عنابة، وعززت هذه القوات بقوات من العاصمة لإحكام الطوق على الجيش الجزائري في مدينة قسنطينة.
   قام الفرنسيون بإرسال حملة عسكرية في شهر سبتمبر 1837م بمشاركة أكثر من ست جنرالات، لعبت فيها المدفعية دوراً مهماً، وتمكنوا من تدمير أسوار المدينة ودك حصونها، وسقطت مدينة قسنطينة.
بيد أن مقاومة أحمد باي لم تنته بسقوط المدينة، بل تواصلت حتى سنة 1848م، بعد أن توجه إلى منطقة الأوراس، حيث ألقي القبض عليه، واقتيد إلى مدينة قسنطينة، ومنها نقل بعد ذلك إلى العاصمة حيث توفي أسيراً في أغسطس 1850م.
تواصلت بعد ذلك عمليات المقاومات الجزائرية للاحتلال الفرنسي بكل شجاعة، حتى قيام الحرب العالمية الأولى، وكانت الجمعيات الدينية بصفة عامة وراء القيام بالثورات، التي كانت تقوم عادة تحت قيادة مرابط يجمع إليه القوة الروحية والدينية والسياسية، ولعبت السياسة الاستعمارية المتمثلة في الاستيلاء على الأراضي وما ترتب عنها من إفقار وتجويع وإذلال وقهر للشعب، دوراً فعالاً في اندلاع بعض الثورات وخاصة ثورة المقراني، لكن الجيوش الفرنسية تمكنت من القضاء على هذه الثورات، نظراً إلى تنظيم جيوشها وسياسة الأرض المحروقة التي تتَّبعها، والوحشية والاضطهاد الذي لم يكن لهما مثيل.

المجاعة

  خلال هذه السنين العجاف، ساءت أحوال الشعب الجزائري كثيرا، واستنزفت ثرواته جراء النهب المنظم وإرهاقه بالضرائب الكثيرة والغرامات المالية المختلفة، وسلب أراضيه الصالحة للزراعة، وطرده إلى المناطق القاحلة، فصارت الجزائر تعيش مجاعة دائمة بعدما كانت تعد من أكبر الدول إنتاجا للحبوب في حوض البحر الأبيض المتوسط، ومن أخطر وأكبر هذه المجاعات تلك التي عاشها الشعب الجزائري كانت خلال الفترة ما بين عامي 1866 و1869م.
  وعمدت سلطات الاستعمار الفرنسي إلى إصدار المزيد من القوانين والمراسيم العجيبة، فتم فرض أنواع وأشكال من الضرائب أثقلت كاهل الجزائريين، وساعدت في تفكيك وحدتهم الاجتماعية والاقتصادية، ودب الوهن والتفكك في المقاومات الشعبية المسلحة، وتمكنت السلطات الاستعمارية من بسط كامل سيطرتها على الجزائر.
كان التوجه الفرنسي يعتمد على معاداة العروبة والإسلام، فعملت على محو اللغة العربية، وطمس الثقافة العربية والإسلامية، وبدأ ذلك بإغلاق المدارس والمعاهد، ثم تدرج مع بداية القرن العشرين إلى منع تعلم اللغة العربية باعتبارها لغة أجنبية، وعدم السماح لأي شخص أن يمارس تعليمها إلا بعد الحصول على ترخيص خاص وفي حالات استثنائية، ومن ناحية أخرى عملت على نشر الثقافة واللغة الفرنسية، واشترطوا في كل ترقية اجتماعية ضرورة تعلم اللغة الفرنسية، كذلك عملوا على الفصل بين اللغة العربية والإسلام، والترويج لفكرة أن الجزائريين مسلمون فرنسيون.
 اهتم الفرنسيون بالترويج للهجات المحلية واللسان العامي على حساب اللغة العربية، فشجعوا اللهجة الجزائرية، واتبعوا كل سبيل لمحاربة اللسان العربي، واعتبروا اللغة العربية الفصحى في الجزائر لغة ميتة.
  كما سعى الفرنسيون إلى ضرب الوحدة الوطنية الجزائرية بين العرب والبربر، فأوجدوا تفسيرات مغرضة وأحكاما متحيزة لأحداث التاريخ الجزائري، ومنها أن البربر كان من الممكن أن يكون لهم مصير أوروبي لولا الإسلام، واعتبروا العنصر البربري من أصل أوروبي، وحكموا عليه بأنه معاد بطبعه للعرب، وسعوا لإثبات ذلك من خلال أبحاث ودراسات كاذبة تدعي العلمية، وخلصوا من هذه الأبحاث الاستعمارية في حقيقتها إلى ضرورة المحافظة على خصوصية ولغة منطقة القبائل البربرية بعيدًا عن التطور العام في الجزائر.

التعدي على الهوية

حتى البعد الاجتماعي لم يسلم من المحاولات الفرنسية لتدميره، إذ كانت الألقاب الجزائرية ـ مثل كل المجتمعات العربية والإسلامية ـ قبل الاستعمار الفرنسي ثلاثية التركيب (الابن والأب والجد)، وفي حالات أخرى خماسية التركيب، بحيث تضاف لها المهنة والمنطقة، فأصدرت الإدارة الاستعمارية الفرنسية في 23 مارس 1882 قانون الحالة المدنية أو «قانون الألقاب» الذي ينص على استبدال ألقاب الجزائريين الثلاثية وتعويضها بألقاب لا ترتبط بالنسب، وسبق صدور هذا القانون محاولات متواصلة لطمس الهوية الجزائرية، أهم ملامحها إجبار الأهالي على تسجيل المواليد الجدد وعقود الزواج لدى مصلحة الحالة المدنية الفرنسية، بعدما كانوا يقصدون القاضي الشرعي أو شيخ الجماعة.
  وكانت الغاية من استبدال ألقاب الجزائريين الثلاثية وتعويضها بألقاب لا ترتبط بالنسب هو تفكيك نظام القبيلة لتسهيل الاستيلاء على الأراضي، وإبراز الفرد كعنصر معزول، وتغيير أساس الملكية إلى الأساس الفردي بدلا من أساس القبيلة، وطمس الهوية العربية والإسلامية من خلال تغيير الأسماء ذات الدلالة الدينية وتعويضها بهوية هجينة، وإحلال الفرد في المعاملات الإدارية والوثائق مكان الجماعة، وأخيرا تطبيق النمط الفرنسي الذي يخاطب الشخص بلقبه وليس باسمه.
لم يتجاوب الشعب الجزائري مع السياسة الفرنسية في جميع الجهات بدون استثناء، لا سيما في المناطق التي عرفت ضغطًا فرنسيًا مكثفًا لتحويل اتجاهها الوطني، فلم يكن للإعانات ولا المساعدات التي تقدمها الإرساليات التبشيرية ولا للتعليم الذي وفرته المدرسة الفرنسية، ولا للمستوطنين الفرنسيين، ولا للمهاجرين الجزائريين الذين تنقلهم السلطات للعمل في فرنسا أي أثر في فرنسة الشعب الجزائري، وهو ما دفع مخططي السياسة الفرنسية إلى اتهام الجزائريين بأنهم شعب يعيش على هامش التاريخ، وحارب الشعب الجزائري الباسل سياسة التفرقة الطائفية الاستعمارية برفع شعار «الإسلام ديننا، والعربية لغتنا والجزائر وطننا» الذي أعلنه العالِم والمجاهد الجليل عبدالحميد بن باديس، ورأى المصلحون من أبناء الجزائر في ظل فشل حركات المقاومة، أن العمل يجب أن يقوم ـ في البداية – على التربية الإسلامية لتكوين قاعدة صلبة يمكن أن يقوم عليها الجهاد في المستقبل، مع عدم إهمال الصراع السياسي.

Likes(0)Dislikes(0)
Print Friendly

عن ابو علاء

Optimization WordPress Plugins & Solutions by W3 EDGE
%d مدونون معجبون بهذه: