الإثنين , 31 أكتوبر 2016
جديد نفائس
الرئيسية » السيرة النبوية الميسرة » محمد صلى الله عليه وسلم
محمد  صلى الله عليه وسلم

محمد صلى الله عليه وسلم

P
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد

مقدمة :

    إننا عندما نتكلم عن محمد r  رسول الله إلى الناس أجمعين فإننا نتكلم عن أعظم شخصية عرفها التاريخ قديمه وحديثه, وليس هذا الحكم نابعاً من فراغ، فإن من قرأ سيرته وعرف أخلاقه وشمائله وتجرد من تعصباته الدينية وتوجهاته الشخصية شهد بصحة حكمنا, ولقد شهد بهذا المنصفون من غير المسلمين،  يقول الأستاذ حسن علي رحمه الله في مجلة نور الإسلام،[1]: إن صديقاً له من البراهمة قال له : إني أرى رسول الإسلام أعظم رجال العالم وأكملهم، فقال له الأستاذ حسن علي : وبماذا كان رسول الإسلام عندك أكمل رجال العالم ؟ فأجاب : لأني أجد في رسول الإسلام خلالاً مختلفة وأخلاقاً جمة وخصالاً كثيرة لم أرها اجتمعت في تاريخ العالم لإنسان واحد في آن واحد : فقد كان ملكاً دانت له أوطانه كلها, يصرف الأمر فيها كما يشاء وهو مع ذلك متواضع في نفسه, يرى أنه لايملك من الأمر شيئاً وأن الأمر كله بيد ربه، وتراه في غنى عظيم تأتيه الإبل موقرة بالخزائن إلى عاصمته  ويبقى مع ذلك محتاجاً ولاتوقد في بيته نار لطعام في الأيام الطوال, وكثيراً  ما يطوي على الجوع، ونراه قائداً عظيماً يقود الجند القليل العدد الضعيف العُدَد فيقاتل بهم ألوفاً من الجند المدجج بالأسلحة الكاملة, ثم يهزمهم شر هزيمة, ونجده محباً للسلام مؤثراً الصلح ويوقع شروط الهدنة على القرطاس بقلب مطمئن وجأش هاديء ومعه ألوف من أصحابه كل واحد منهم شجاع باسل وصاحب حماس وحمية تملأ جوانحه, ونشاهده بطلاً شجاعاً يصمد وحده للآلاف من أعدائه غير مكترث بكثرتهم, وهو مع ذلك رقيق القلب رحيم رؤوف متعفف عن سفك قطرة دم، وتراه مشغول الفكر بجزيرة العرب كلها  بينما هو لا يفوته أمر من أمور بيته وأزواجه وأولاده ولا من أمور فقراء المسلمين ومساكينهم، يهتم بأمر الناس الذين نسوا خالقهم وصدوا عنه فيحرص على إصلاحهم، وبالجملة أنه إنسان يهمه أمر العالم كله وهو مع ذلك متبتل إلى الله منقطع عن الدنيا, فهو في الدنيا وليس فيها, لأن قلبه لا يتعلق إلا بالله وبما يُرضي الله, لم ينتقم من أحد قط لذات نفسه, وكان يدعو لعدوه بالخير  ويريد لهم الخير لكنه لا يعفو عن أعداء الله ولا يتركهم، ولا يزال ينذر الذين قد صدوا عن سبيل الله ويوعدهم عذاب جهنم, وتراه زاهداً في الدنيا عابداً  يقوم الليل لذكر الله ومناجاته, كما تتصور في شمائله أنه الجندي الباسل المقاتل بالسيف, وتراه رسولاً حصيفاً ونبياً معصوماً في الساعة التي تتصوره فيها فاتحاً  للبلاد ظافراً بالأمم, وإنه ليضطجع على حصير له من خوص, ويتكئ على وسادة حشوها من ليف, حينما يخطر على بالنا أن ندعوه بسلطان العرب وننادي به ملكاً على بلاد العرب  ويكون أهل بيته في فاقة وشدة عقب استقباله الأموال العظيمة آتية إليه من أنحاء الجزيرة العربية, فتكون في فناء مسجده أكواماً وتأتيه بنته وفلذة كبده فاطمة تشكو إليه ما تكابده من حمل القربة, والطحن بالرحى حتى مجت يداها, وأثرت القربة في جسمها  والرسول يومئذ يقسم بين المسلمين ما أفاء الله عليهم من عبيد الحرب وإمائها، فلا تنال بنته من ذلك إلا دُعاءه لها بكلمات يُعلمها كيف تدعو بها ربها، وجاءه ذات يوم صاحبه عمر فأجال بصره في الحجرة فلم يجد إلا حصيراً من خوص قد اضطجع الرسول عليه وأثر في جنبه وكل ما في البيت صاع من شعير في وعاء, وعلى مقربة منه شن معلق على وتد, هذا كل ماكان يملك رسول الله يوم دان له نصف العرب, فلما رأى عمر ذلك لم يتمالك نفسه من دموع تذرفها عيناه فسأله رسول الله r : "ما يبكيك يا عمر ؟ فقال : ومالي لا أبكي إن قيصر وكسرى يتمتعان بالدنيا وينعمان بنعيمها وإن  رسول الله r لا يملك إلا ما أرى، فقال له الرسول r :" أما ترضى يا عمر أن يكون ذلك نصيب كسرى وقيصر من نعيم الدنيا وتكون لنا الآخرة خالصة من دون الناس  ؟!"

وعندما أحدق النبي r بجيوشه ليفتح مكة كان أبو سفيان إلى جانب العباس عم النبي r ينظران إلى المجاهدين من المسلمين تتقدمهم الأعلام الكثيرة, وكان أبو سفيان لايزال على ماكان عليه من المخالفة للإسلام فراعه مارأى من كثرة جموع المسلمين ومن انضوى إليهم من القبائل المسلمة, وإنهم يزحفون على بطحاء مكة كالسيل الجارف لايصده صاد ولايمنعه شيء, فقال لصاحبه : ياعباس إن ابن أخيك أصبح ملكاً عظيماً, فأجابه العباس وهو – يرى غير الذي يراه أبو سفيان : ليس هذا من الملك في شيء يا أبا سفيان, هذه نبوة ورسالة .

وعدي الطائي وهو بن حاتم الذائع الصيت الذي تضرب به الأمثال في الجود والسخاء, كان سيد طيئ, وحضر مجلس الرسول r ذات يوم وهو لايزال على المسيحية فشاهد إعظام الصحابة للرسول وعليهم عدّة الجهاد من الأسلحة واللامة للدفاع فاشتبه عليه أمر النبوة بأمر السلطان وتساءل في نفسه أهذا ملك الملوك أم رسول من رسل الله ؟ وفيما هو كذلك جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم امرأة فقيرة من إماء المدينة, وقالت له أريد يا رسول الله أن أُسر إليك شيئاً فقال لها : "انظري في أي سكك المدينة شئت أخلو لك, ثم نهض معها وقضى لها حاجتها", فلما رأى ابن حاتم الطائي هذا التواضع العظيم من الرسول وهو بين أصحابه في مثل عظمة الملك انجلى عنه ظلام الباطل, وتبين له الحق واضحاً, وأيقن أن هذا الأمر من رسالات الله فعمد إلى صليبه فنزعه ودخل مع أصحاب رسول الله r في نور الإسلام . أهـ

وسنقوم بذكر بعض أقوال المستشرقين [2]في محمد r  ونحن كمسلمين مؤمنين برسالته ونبوته r لسنا في حاجة لإيراد مثل هذه الأقوال ولكن الباعث لها سببان :

·  السبب الأول : ذكرنا أقوال المستشرقين ليقرأها بعض المسلمين الذين لا يعرفون من الإسلام إلا اسمه, فيعرفوا ما يقوله غير المسلمين في نبيهم ورسولهم  الذي تركوا اتباعه والاقتداء به لعلها تكون بداية عودة صادقة لهم لدينهم .

·  السبب الثاني : ذكرنا أقوال المستشرقين ليقرأها غير المسلمين فيعوا ويعرفوا حقيقة هذا الرسول الأمين من أفواه أناس من جلدتهم ويتكلمون بلغتهم, وعسى هؤلاء أن يهتدوا للإسلام, وتكون بداية بحث جاد لهم لمعرفة هذا الدين العظيم، وطلبي من هؤلاء أن لايفكروا بعقول غيرهم بل لهم عقول يستطيعون من خلالها -إذا جردوها من التعصب- معرفة الحق من الباطل ومعرفة الصواب من الخطأ . ودعوتي لمثل هؤلاء أن يفتح الله قلوبهم للحق ويدلهم إليه, وأن يهديهم سواء السبيل .

 

[1] الرسالة المحمدية ثمان محضرات في السيرة النبوية ورسالة الإسلام .  السيد سليمان الندوي ص (114،115).

[2] علماً أن المستشرقين تختلف أهدافهم في دراسة الإسلام وتعلمه فمنهم من يدرس الإسلام من أجل أن يبحث عن الدين الحق وهؤلاء في الغالب يوفقهم الله لمعرفته واتباعه، ومنهم من يدرس الإسلام ويتعلمه ليبحث عن نقاط الضعف فيه – حسب تصوره الفاسد – ليحاربه ويهدمه وذلك من خلال ما يورده من شبهات و يلصق به من تهم ويلحق به من أباطيل وكذب وهؤلاء يبوء جهدهم بالفشل، ومنهم من يدرس الإسلام ويتعلمه كعلم ودين وهؤلاء في الغالب من يعطي الحقائق الصحيحة والمعلومات الواضحة.   

Likes(0)Dislikes(0)
Print Friendly

عن ابو علاء

Optimization WordPress Plugins & Solutions by W3 EDGE
%d مدونون معجبون بهذه: